الجاحظ

92

كتاب البغال

أطول ، فعيوبها أكثر ، وأيام الانتفاع بها أقلّ ، وباعتها فجر ، والخصومة معهم أفحش وخسرانها يوفي على أضعاف ربحها ، وشرّها غامر لخيرها . ومما تخالف أخلاق سائر المركوبات : أنك إذا سرت على الإبل والخيل والحمير والبقر ، في الأسفار الطّوال ، في سواد ليلك ، إلى انتصاف نهارك ، ثم صارت إلى المنزل عند الإعياء والكلال ، طلب جميع المركوبات المراعي والأواري « 1 » ، وأخرجت البغال بعقب ذلك التعب الطويل ، أيورا كجعاب القسيّ ، تضرب بها بطونها وصدورها ، حتّى كأنها تتعالج به من ألم السّفر . وكلّ دابة سواها إذا بلغت لم يكن لها همّة إلّا المراغة والرّبوض ، والأكل والشّرب . وهي مع ذلك من أعلم الدوابّ ، وأبعدها من العتق ، ولم نجد عظم الأيور في جميع الحيوان في أشراف الحيوان إلّا في الفرط ، وذلك عامّ في الزنوج والحبشان ، وتجده في الحمير والبغال . قالوا : وأير الفيل كبير ، ولم يخرج من مقدار بدنه . ولعمري إنّ الرجال ليتمنّون عظم الأيور كما تتمنّى النساء ضيق الأحراح . قال محمد بن مناذر ، وأبو سعيد راوية بشّار ، قالا : ضحك بشّار الأعمى يوما ونحن عنده ، بعد أن أطال السكوت ، فقلنا : ما الذي أضحكك يا أبا معاذ ؟ قال : أضحكني أنّه ليس على ظهرها رجل إلّا وبودّه أن أيره أكبر ممّا هو عليه ، ولا على ظهرها امرأة إلّا وبودّها أن حرها أضيق ممّا هو عليه . فلو أعطى اللّه الرجال سؤلهم

--> ( 1 ) الأواري : جمع آري أي محبس الدابة .